زهدي والمتنبي والتحولات

 

 عدنان الظاهر - ناقد عراقي مغترب 

 

قلت فلأجمعن َّ الشاعرَ العربي َّ الفحل بصديقي الروائي الكردي / التركماني الفذ دكتور زهدي الداوودي . سيفرح لا ريبَ المتنبي بالتعرف على كاتب روائي ليس من قوميته وأستاذ جامعي مؤرخ و [ قرمطي ] مثله  سابق . حين فاتحت صاحبي المتنبي بهذا الأمر إعترض قائلاً : وما سيكونُ سبيل التفاهم بيني وبين صديقك الكردي / التركماني وأنا كما تعلم لا أفقه من لغات الدنيا إلا العربية ؟ لا من مشكلة أمامك يا متنبي ، يتكلم زهدي ويكتب القصص وخير الروايات باللغتين العربية والألمانية وإنه على حد علمي لم يكتب شيئاً بعدُ بلغتيه الأصليتين الكردية والتركمانية . قال لا مانع إذا ً من الجمع فيما بيننا بحضورك وسأكون مسروراً بالتعرف عليه فلقد شوّقني وصفك له ومديحك .

إلتأم جمعنا فتعانق الشاعر والروائي عناقاً حميماً طويلاً كأنهما ولدا في رحم واحد وأشرق بيتي بأجواء البهجة الحقيقية وشاع الدفء في كافة أرجائه وكان سروري أنا أكبر من سرور ضيفي َّ فما أسعدني وأكبر حظي إذ يجتمع في بيتي شاعر بوزن أبي الطيب وروائي وصديق مثل زهدي خورشيد الداوودي ! كان الجو منذ اللحظة الأولى طبيعياً أخوياً فلا من تكلف ولا رسميات فإنفتحت القرائح والصدور وتبع ذلك إنفتاح الرغبة في تناول الطعام والشراب وتبادل النكات وزهدي هو الخبير بها وبمخفياتها . رفعتُ وزهدي كؤوس الشراب الثقيل ورفع المتنبي كأس الماء المعدني وتبادلنا أنخاب التعارف والصحة وإستمرار اللقاءات . مرت فترة زمنية قصيرة قبل أن يسأل زهدي ضيفنا أبا الطيّب المتنبي : يا أبا الطيب ، أتدري ما مناسبة هذا اللقاء الأول من جنسه فيما بيننا ؟ قال كلا ، لا أدري . إنه لمناسبة صدور روايتي الجديدة المسماة (( تحولات )) . تحوّلات ؟ تساءل الشاعر ، ماذا تقصد يا زهدي بالتحولات ؟ أقترح ـ قال زهدي ـ أن تقرأ هذا الكتاب / الرواية فمحتوياته ستشرح لك يا صديق معنى التحولات وما كان قصدي منها وأية تحولات محددة كنت قد تناولتها في هذه الرواية فالتحولات أنواع وأشكال متباينة . ثم إنَّ كل تحول لا يجري إلا في الزمن فالزمن عنصر لا بدَّ منه لأي تحول سواء في حياة الناس أو في الطبيعة ... الزمن ثم الزمن . بانت بعض علامات الحيرة على وجه المتنبي لكأنه لا أو لم يفهم مغزى ما قال زهدي . إنصرف هذا لشرابه الثقيل والفستق والخيار الحامض فرحتُ أناقش المتنبي وأشرح له بأسلوب يفهمه ويناسب عصره محاولاً تقريب الصورة  فقلت له كنتَ يا أبا الطيب قد تناولتَ موضوعة التحولات في بعض شعرك أروع وأبلغ تناول. قال متى وأين وكيف ؟ أنسيتَ قصيدتك الأروع [ ما لنا كلنا جو ٍ يا رسول ُ ] حيث قلتَ فيها مخاطباً حبيبتك التي تناسخت لتغدو بعد أحد عشر قرناً من الزمان حبيبة ً مسيحية ً للسيد زهدي تحمل إسم ( مادلين ) وتمارس التعليم مهنة ً :

زودينا من حسنِ وجهكِ ما دا

مَ ، فحسنُ الوجوهِ حالٌ تحولُ

 

وصلينا نصلكِ في هذهِ الدن

يا ، فإن َّ المُقامَ فيها قليلُ

 

قال واللهِ قد ذكّرتني أنتَ بما قلتُ ولم يدرْ في خلدي أني كنتُ أعني التحول حسب فلسفات دكتور زهدي . نعم ، قال زهدي ، هذا هو التحول بعينه وكنتَ بارعاً في وصفه وتحديده بقولك [[ فحسنُ الوجوهِ حالٌ تحولُ ]] ... حالٌ تحولُ ... ما أبلغ وأروع هذا الكلام !! تتبدل الأحوال بما فيها جمال الوجوه بمرور الزمن والزمن عجلة كونية جبارة لا تتوقف عن الحركة إلى الأمام كأنها تتحرك نحو غاية وهدف محددين لا من قوة في الكون بقادرة على عرقلة أو إيقاف حركة هذه العجلة ولا تغيير إتجاه حركتها . التحول إذا ً حتمي بلغة أهل الفلسفة يا متنبي . ثم ، أضاف زهدي ، [[ فإنَّ المُقامَ فيها قليلُ ]] ... ما معنى أن يكون مُقامنا في الحياة قصيرٌ أو قليل ؟ أجلنا ... عمرنا محدود نتحول خلاله من كائنات حية تدب على الأرض تأكل الطعام وتمشي وتتكلم إلى رميم وعظام تسكن قبراً مظلماً تحت الأرض . أليس هذا تحولاً من حياة إلى جماد وإنتقال من حال إلى حال ؟ كان المتنبي يصغي لما يقول زهدي بكل جوارحه ثم قال : أجلْ ، قد فهمت الآن تحولاتك ، وعليه فإني بصراحة لأطمع وأطمح لمعرفة تحولاتك الشخصية في حياتك وكم مرة ً تحولتَ أو إنقلبتَ على ذاتك كما تحوّل وإنقلب كثرة من الأدباء وممتهني السياسة قبلك وبعدك . معك حق يا متنبي ، قلتُ ، معك حق ... وإسمحْ لي أن أُضيف : إنك أنتَ قد مارست التحول والإنقلاب على نفسك ومعتقداتك والكثير من إلتزاماتك إذ إنسحبتَ من قرمطيتك بل وقاتلتَ بعض ثوارها من بني كلاب حين هاجموا الكوفة في عام 353 للهجرة ... هذا إنقلاب وتحول . كان المتنبي يوالي هز َّ رأسه مؤيداً ما أقول دونما أي شعور بحرج أو ضيق . ثقل  الجو على أخينا زهدي صاحب النصرانية مادلين وفيلسوف التحولات وقد تركناه  وحيداً مع كأسه فإقترح من باب النكتة أنْ يقص َّ على المتنبي مثالاً آخر على صنف من التحولات تجري في دماغ أو في داخل الإنسان خارج نطاق وحكم الزمن . قال خذ ْ  مني يا شاعرُ مثلآ  ... حين وقعت في غرام مادلين وبادلتني هي بدورها غراماً بغرام وولوعاً بولوع كنتُ مستعداً إذا إقتضى الأمرُ أن أتنازل َ عن ديني أو أن ْ أبدَّله لأغدو نصرانياً مقابل أن يتحد جسدانا وروحانا بالزواج . كل التضحيات من أجل الحب والزواج تهون . كان المتنبي يصغي لكلام زهدي ذاهلاً غير مصدق . كيف يتنازل عاشق عن دينه أو أن يبدله فيتحول إلى دين آخر ؟! أليس عقوبة هذا الشخص القتل حسب شرائع الإسلام وكتابهم المقدس ؟ قرأت ما يدور في رأس ضيفي فقلت له هذا نوع آخر من التحولات التي عالجها في روايته الأخيرة أخونا زهدي فلا تأخذ كلامه مأخذ الجد . ثم إنه في طفولته وشبابه المبكر كان يؤذن في جامع مدينته ويقرأ القرآن في مناسبات فواتح بعض الموتى فالرجل كان ولم يزل مسلماً ومع دين أبيه وأمه . إنه يمزح وإنه بارع في صوغ النكات فلا تحملْ كل َّ ما تسمع منه محمل الجد . إنبسط المتنبي وقال الآن الآن طاب التدخين ثم الطعام ... أثقلتم عليَّ بأحاديث التحولات فلا حولَ ولا قوّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم . تساءلتُ مع نفسي : هل كلمة " الحَول " من التحول ؟ جائز ،  حالَ يحولُ ... فحسنُ الوجوهِ حالٌ تحولُ ! أم أنَّ الحول من الحيل أي القدرة والقوة ؟ جائز .

بعد الطعام والشاي الثقيل سأل المتنبي : هل نجتمع مرة أخرى هنا لنواصل مناقشة موضوع تحولات زهدي ومضامين روايته الجديدة ؟ أجاب زهدي إنَّ الأمرَ أمركم والقرار قراركم . تدخلت فقلتُ أجلْ ، سنجتمع ثانيةً وربما ثالثة ً لنستمتع بما جاء في رواية زهدي فبحضوره وحضرته تتم الفرحة ويطيب الجو ويحلو السمر فإنه سيشرح وسيوضح ما قد ينغلق فهمه علينا وسيرد على تساؤلاتنا وما نوجه له من نقد قد يكون بعضه قاسياً لا يتوقعه من أصدقائه الأوفياء المخلصين . سنجتمع وإذا ما لزم الأمر مرات ٍ ومرات حتى (( نستهلك )) الدكتور زهدي ونخرجه من جلده الكردي / التركماني لنخلع عليه أديماً جديداً يٌسمى [[ أممياً ]] لا يخافه المتنبي ولا يحذر منه بل وسينسجم معه غاية الإنسجام .

(2)

قرر زهدي الداوودي ، بطل التحولات جميعاً ، أن نجتمع لديه في بيته فلقد عزم أن يضيف َ ـ كما إدّعى ـ لوناً حياتياً جديداً ونكهة خاصة أخرى لأنماط إجتماعاتنا السالفة ... منها على سبيل المثال : مدينة جديدة تُسمى ( لايبزك ) ما سبق للمتنبي أن رآها في المنصرم من زمانه ... ثم البيت الكبير الذي تحيط به حديقة غناء عامرة هو وهي  من بعض بقايا ومخلفات عهود الإشتراكية ... ثم ، وجود الصديق المشترك الدكتور ممتاز كامل كريدي خبير الأدب واللغة الألمانية . ما رأيك يا متنبي ، هل ترفض كل هذه العروض السخية ؟ معاذَ الله ! أجاب أبو الطيّب ، يكفيني لكي لا أعتذر أن ْ يكون بيننا صديقكما المشترك ممتاز كريدي الحلي ِّ ثم العزاوي . ماذا أريد أكثر من ذلك من دنياي ؟ ثم شرع يُنشد :

أبوكمْ آدم ٌ سن َّ المعاصي

وعلّمكمْ مغادرة َ الجنان ِ

 

لا فُض َّ فوكَ أبا الطيب ، دار زهدي هي الجنة بعينها وهو نفسه ساقيها وبعض حورها والكثير من ولدانها المخلدين ثم راعي بساتينها وكرومها ونخيلها وأعنابها و [ بيشمه ركة ] أنهار لبنها وعسلها وخمورها وقائد ربيئة جبالها الشاهقة التي تضاهي سلاسل جبال وادي ( كفران ) علوّاً وشموخاً . كان المتنبي يصغي لي ذاهلاً كالمسحور ثملاً بما يسمع وما يشم من عطور الجنة ومسك وبخور عين حورها وطيب غلمانها الذين يطيفون على الجلاس بكؤوس الويسكي الأسكتلندي والشامبانيا والبراندي والروم الكوبي ماركة كاسترو والسيجار الذي يحمل صورة جيفارا ... بحلل وبدلات ( سموكن ) من السندس والإستبرق مطوقين أعناقهم بقلائد الذهب الأبيض والعقيق والياقوت والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟! ماذا تريد أكثر من هذا يا متنبي ؟ قال أريد أن أرى مدينة ( لايبزك ) بعد أن تخلت عنها إشتراكية الرفيق زهدي . هل أضحك ؟ لا ، الموقف على درجة عالية من الجدية ، لا مكانَ فيه للضحك . هل أبكي ؟ لا ، لا من جدوى في الدموع . تذكرتُ شعر المتنبي :

 

صحبَ الناسُ قبلنا ذا الزمانا

وعناهم ْ من أمرهِ ما عنانا

 

بين مغالبة الدمع وقمع الضحكة البطرانة سألتُ الشاعر الكوفي : هل في رأسك أسئلة محددة ومواضيع تود طرحها على صاحب ضيافتنا لهذا اليوم ؟ موضوع واحد ، قال ، موضوع واحد . ما هو ؟ موضوع التحولات ... تحولات زهدي الداوودي . أود معرفة طبيعتها وكيف جرت التحولات هذه في رأس وحياة الرجل الأديب المؤرخ والأستاذ الجامعي السابق .

وصلنا بيت زهدي وكان الجو ربيعاً فجلسنا في حديقة داره . جاءت بعد قليل زوج زهدي السيدة أم أميرة فرحبت بنا وبالغت في الترحيب بالضيف الجديد أبي الطيب المتنبي وفاجأته بقولها إنها رأته شتاء عام 1979 في العاصمة الليبية طرابس وكانت وزهدي في طريقهما إلى ألمانيا . قال أجل ، كنتُ هناك ولكن في زمان ٍ آخر ... ربما إختلط الأمر سيدتي عليكِ ، الشعراء كثيرون والمشردون العراقيون لا حصر َ ولا عد َّ لهم . إعتذرت السيدة وإنسحبت بعد أن أشرفت وألقت آخر نظرة على طاولة الطعام الكبيرة التي توسطت حديقة الدار . أين ممتازكريدي ،  تساءلتُ ؟ إنه لا يستطيع مغادرة داره ، أجاب زهدي . لماذا يا زهدي ؟ لقد أُجريت له عملية جراحية معقدة فهو يمر الآن في فترة نقاهة تتطلب الكثير من الراحة والمكوث في الفراش . أفلا من سبيل لزيارته في بيته ؟ بلى ، سنزوره ذات يوم . كان أسفي عميقاً أني أتخيل الصديق ممتاز جالساً معنا بيننا لكني لا أراه ولا أسمعه .

من يبدأ الكلام ، سألتُ ؟ قال زهدي إنما أنتَ البادئ ... لا تقوم الزوابع والمصائب إلا من أرض بابلَ يا بابلي أصيل !! لم يستوعب المتنبي سر هذا الكلام لكن تضاحك إذ ْ رآني أضحك عالياً . نعم ، المصائب والكوارث كلها في أرض بابل وعلى أرض بابل منذ حمورابي ونبوخذ نصّر حتى اليوم . قدم زهدي سيجارة أمريكية لضيفه المتنبي ثم أوقدها له مبالغاً في خدمته وطريقة تقريب الشعلة من طرف سيجارته ثم الكيفية التمثيلية الفنية التي أطفأ فيها عود الثقاب طارداً الدخان عن وجه المتنبي .

يا أبا أميرة ... رفع زهدي رأسه إلى أعلى قليلاً ولم  يعلّق ... يا زهدي ، 

فهمنا كيف تحوّلت حبيبتك مادلين الممرضة في مستشفى كركوك في عام 1955 ، عام وفاة أبيك ... فغدت بعد خمسة أعوام لا غير مادلين َ المعلمة في قضاء طوز خورماتو ... تحولت حسب مبدأي التحول والتناسخ  ولكنْ ، كيف تفسر ضياع ثورة تموز 1958 وتحولها إلى إنقلاب فاشي دموي في الثامن من شهر شباط 1963 ... هل كان ذلك إستنساخاً أم مجرد تحوّل (( دايالكتيكي )) شبيه بتحول مادلين الممرضة إلى مادلين المعلمة ؟ شعر زهدي بالحرج فرفع كأسه قائلاً : نخب مادلين الأولى ومادلين الثانية !! ظل المتنبي مطرقاً لا يود المشاركة في أمور فلسفية ليس فيها ما يغري الشعراء من أمثاله . إكتشفتُ أني أردد في سري قول الشاعر أبي نؤاس :

.................................. 

فتدحرجت ُ من تحت ٍ إلى فوق ...

 

 هكذا كان حالنا وقد وقع الإنقلاب الفاشي على رؤوسنا وقوع الفأس أو الطبر ... تطايرنا وتدحرجنا متخذين وضعاً مقلوباً خلافاً لكل قوانين الطبيعة ، بل ربما شرع البعض منا يمشي على رأسه لا على قدميه .

كان زهدي والحقَ أقولُ ، بارعاً في ملاحقة أيام ثورة تموز 1958  ورسم صور أحداثها وتقلباتها بدقة وجرأة متناهيتين . كان جريئاً فيما وجه من إنتقادات لقادة تنظيمه من رفاقه الأقدم منه في سلم التنظيم . ولقد ركّز بشكل خاص على ظاهرة ( الستالينية ) التي كانت متفشية ـ حسب تفصيلات رواية التحول ـ في صفوف بعض تنظيمات وخطوط الحزب الشيوعي العراقي . إنتقد الظاهرة هذه وتصدى لمن تبناها بالنقد والسخرية اللاذعة بل وحتى بالكلام البذيء ! ثم وقف عملاقاً في وجه كل التجاوزات اللاقانونية واللاأخلاقية التي مارسها بعض الشيوعيين في كركوك أوائل أيام وشهور الثورة وفي بعض أقضيتها ونواحيها وقراها . فضلاً عن التناقضات الصارخة المفرطة في الخطورة في طبيعة ثورة تموز والخطأ القاتل في تشخيص طبيعتها الطبقية وباقي تفصيلاتها وكان زهدي أكثر من بارع في تشخصياته ووضع اليد على مكامن الجروح . أورد أمثلة على ما أقول :

[[ إلتفتَ الرجلُ إلى صورة قاسم التي وُضعت في الإطار الذي كان يضم صورة الملك فيصل وقال مبتسماً : حسناً فعلتم ، وأما من أين لي هذا التفاؤل فله أساسه ، جهاز الأمن يبقى كما هو ويؤدي واجباته كما كان يؤديها من قبلُ / الصفحة 138 ]] . قائد ثورة تموز يشترك مع فيصل رمز الإستعمار البريطاني وحلف بغداد في إطار واحد !! وتبقى أجهزة أمن النظام الملكي كما هي وكما كانت عليه لتؤدي مهمات مشابهة تماماً ولكن في العهد الجمهوري (( الثوري )) !!. ثم :

[[ سكتنا برهة ً ، واصل كلامه قائلاً : هكذا علمنا معلمنا أبو الشعوب . قلتُ بسذاجتي المعهودة : مَن هو أبو الشعوب ؟ قال بسخرية : ماذا علمك عباس نامق إذا ً ؟ إنه ستالين العظيم . قلتُ وقد إلتبستْ عليَّ الأمورُ : إنه كان يحدثنا عن ماركس ولينين . هزَّ رأسه كما لو أنه عالم بكل الأمور : من دون ستالين لا يمكن فهم هذين العملاقين ... / الصفحة 146 ]] .

هنا أعترض على هذه المحاورة إذ لا أراها صحيحة المحتوى والتفصيلات . كان الحزب منذ بدايات ثورة تموز يحذر رفاقه من ستالين والستالينية وهو خط تثقيفي ساد منذ إنعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956 حيث تمت تعرية ستالين وإزاحة جثمانه المحنط من الضريح الرخامي الأحمر المهيب في الساحة الحمراء من موسكو الذي كان يضطجع فيه سويةً مع لنين جنباً لجنب. على كل حال ، يدل هذا الحوار على عمق الهوة والتخبط في المفاهيم وفقر التثقيف وضحالة حال بعض الرفاق المكلفين بمهمات التثقيف الحزبي في بعض تنظيمات الحزب .

نواصل القراءة :

[[ ومنذ اليوم الأول الذي قيل له إنه الرفيق المسؤول والكادر الريفي الأول ، دبر لنفسه ثلاثة أشياء : عباءة بحواش ٍ ذهبية ، بندقية هولندية ، مستغنياً عن بندقيته الإنجليزية القديمة التي قال عنها إنها رمز الإستعمار ، وحصان . وفي وقت متأخر ، حين بدأت الإنتكاسة ومطاردة الشيوعيين ، قيل إنه إستولى على هذه الأشياء الثلاثة من غير وجه حق من بعض الأغوات الذين إستولى الإصلاح الزراعي على أراضيهم . / الصفحة 158 ]] .

لا يحتاج هذا الكلام إلى تعليق ـ إنه ناطق بليغ فيما يقول . كادر شيوعي مسؤول يجرد الناس مما يمتلكون بدون وجه حق أو مستند قانوني . تجاوزات أدت فيما بعد إلى إنقلاب السحر على ساحره فالظلم هو الظلم لو دام دمّر كما يقول القدماء .

ثم :

[[ لك خمس دقائق فقط ، تتحدث فيها عن أهم مزايا الثورة ، ثم تقدمني كمناضل وقائد فلاحي . وحين أحس َّ ببعض الإرتباك على وجهي أضاف مشجعا ً : لا داعي للإرتباك ، إحسبهم خرافا ً / الصفحة 162 ]] .

هل هذا هو الموقف الثوري الجماهيري السليم من الفلاحين الفقراء والمعدمين من كادحي أرياف العراق ؟؟!! لقد كشف زهدي بعض وجوه المأساة وضحالة بعض رفاق الحزب الشيوعي وتعاليهم على مَن يدّعون تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم والتعهد بإقامة دولة العمال والفلاحين على أرض الرافدين .

ثم :

[[ والآن سيتحدث إليكم واحد ٌ منكم ، مناضل ٌ وقائد فلاحي ناضل في العهد البائد من أجل حقوقكم وكرامتكم : المناضل والقائد الفلاحي المعروف ملا صالح الحاج مهدي . { الملا يخطب }: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... إنَّ ثورتنا هي ثورة إشتراكية ، وسوف نبني الإشتراكية بسواعدكم . كل واحد منكم سيحصل على قطعة أرض وبيت مبني بالجص والحجر وتراكتور وسيارة ... / الصفحة 162 ]] .

قد يكون ما كال الملا صالح لفقراء الفلاحين في خطبته من وعود طوباوية صحيحاً ولكن الأمر الطريف جداً هو موقف رفيق الملا صالح الأعلى تنظيمياً منه . فلنتعرف عليه .

[[ عندما سألني الميزان الأعوج ـ رفيق حزبي متقدم ـ عن مزاج الفلاحين ومدى تجاوبهم مع الثورة ، قلت ُ طالما أنهم يصدقون وعودنا الكاذبة فإن َّ مزاجهم ثوري . قال بلهجة إستنكار واضحة : ماذا تقصد بالوعود الكاذبة ؟ قلت ُ بإستخفاف : حسب نظرية ملا صالح سيستلم كل فلاح قريباً قطعة أرض وتراكتور وسيارة ... علماً أنَّ الفلاحين في القرى الخمس التي زرناها هم أصحاب الأرض ولا يوجد عندهم أي إقطاعي . إنطبعت على وجهه إبتسامة غير متوقعة : إذا ً نعطيهم التراكتورات والسيارات فقط . قلتُ بإحتجاج : ومن أين نجلب كل هذه السيارات والتراكتورات ؟ أجاب بهدوء متناه ٍ : سنجلبها من ( كس ) زوجة ملا صالح / الصفحة 166]] .

هذا هو زهدي الناقد الواعي الساخر المقدام الذي يخترق بحسه الحُجُب  ويقرأ ما في الصدور وما في الرؤوس لكأنه أشعة ليزر خارقة النفاذ . إنه لا يقرأ الغيب ولا يملك عيني زرقاء اليمامة لكنه أساساً مثقف كبير وعالم وأستاذ تأريخ يمتلك ناصية اللغة العربية وإنه أحد أسياد فن السرد الروائي.

ما رأيك يا متنبي فيما سمعتَ ؟ قال إنه يسمعه لأول مرة . ما كان ، قال ، في زماننا حزب شيوعي وتنظيمات وتقسيمات طبقية فلاحية وعمالية ورأسمالية ... كنا أمة واحدة عربية إسلامية فيها فقراء وفيها أغنياء وفيها بين بين وهذه مشيئة رب العالمين (( وفضّلنا بعضكم على بعض )) .

هل نتكلم اليوم عن زهدي وإنقلاب الثامن من شهر شباط عام 1963 أم نُرجئ الكلام عنه ليوم غد ؟ نهض زهدي ليودعنا قائلاً : هذا موضوع ثقيل مؤلم لا تتحمل سماعه أعصاب الشاعر أبي الطيب المتنبي ! طيّب ، قلتُ ، سننظر في إمكانية مناقشة أمور طريفة أخرى مما ورد في رواية " تحولات " .

(3)

 

وكما إتفقنا في لقائنا الأخير في بيت زهدي في مدينة لايبزك الألمانية  ...

إجتمعنا لكي نناقش مؤلف رواية ( تحوّلات ) في فحوى ومعنى هذه التحولات في ضوء وقائع إنقلاب الثامن من شهر شباط عام 1963 البعثي الدموي الأسود وقد عاصرها الروائي وعاشها بساعاتها وأيامها ولياليها . تم الإتفاق أن نجتمع ثانية ً في مدينة لايبزك على أمل أن يلتحق بنا أخونا دكتور ممتاز كريدي فإن لم يستطع الإلتحاق بنا فلسوف نلتحق نحن به . نزوره في بيته لنطمئن على صحته وحال قلبه بعد العمليات المعقدة التي أُجريت له . وافق الجميع على فكرة أن يكون اللقاء لدى ممتاز كريدي شرطَ أن نحمل معنا نسخة ً من كتاب التحوّلات وعدّة اللقاء كاملة ً شاملة ً لا من نقص ٍ فيها من مشروب ومأكول لكي نوفر له جهد تجهيز متطلبات إضافة ثلاثة أصدقاء إنْ جاعوا أكلوا الكرة الأرضية أديمها والشجر وإنْ ظمأوا شربوا مياه البحار وإنْ طربوا فسوف لن تنام المدينة ...  فصديقنا ما زال يمر في فترة النقاهة التي ربما ستطول بالنظر لطبيعة عمليته الجراحية المعقدة والخطرة في عين الوقت ... ولا على المريض حرج . فوجئ الصديق الحلي الممتاز بزيارتنا وعاتب زهدي بأدبه المعروف وكياسته المألوفة كيف لم يخبره تلفونياً بمجيئنا إليه خاصة ً وإنه يستقبل المتنبي ويتعرف عليه لأول مرة في ألمانيا . فتح زهدي قناني النبيذ الإيطالي الأحمر القاني ومددتُ يدي إلى جيب بنطالي ( بنطروني ) الخلفي الصغير فأخرجتُ منه زجاجة ويسكي من قياس ربع ليتر

( رُبعيّه ْ) جلبتها خصيصاً لممتاز لأني أعرف أنه يسيغ ويفضل هذا المشروب سويةً مع الفودكا الروسية على سواهما من مشروبات الدنيا ... يشرب لكنه لا يسكر فأية معدة في جوفه وأي جهاز عصبي في جسده ! صب َّ أبو الطيّب المتنبي لنفسه كأس ماء ٍ معدني ٍّ وسيجارته لا تفارق طرف فمه ودخانها يضبب وجهه فلا يكادُ يبين . هل أجهز الشاي ؟ سأل ممتاز كريدي . كلا ، قلنا ثلاثتنا بصوت واحد فيه نبرة إستنكار حادة ... ما موقع الشاي في حضرة النبيذ والويسكي الأسكتلندي وقبل التورط في النقاشات الجدية حول التحوّلات وإنقلاب شباط الأسود ؟ سنجهز نحن الشاي فيما بعد حين نشبع نقاشات ٍ وتجاذبات ٍ  فنشعر بالجوع حينئذ ٍ وحينئذ ٍفقط  سنفتقد نكهة َ الشاي الثقيل يحرق اللسانَ وتنكمش الشفتان ويحلو مذاقه ويطيب طعمه في فم أسكرته الخمرة وأتعبه النقاش وهدته ذكريات الإنقلاب الفاشي الأليمة والمرعبة .

تقبل صاحب الضيافة عذرنا وإستحسن منطقنا فسلّم أمره لنا وهو يشعر بالغبن . تطلع المتنبي في وجهه ملياً وكان واضحاً أن لديه سؤالا وربما أكثر من سؤال . وبالفعل ، سألَ  ممتازا ً كم سنة ً لك هنا مذ ْ فارقت مدينتك الحلة والعراق ؟ رد َّ ممتاز قد لا تصدق يا متنبي إذا أجبتك . غادرتُ مدينتي ووطني في عام 1952 وجبتُ مدائن جميلة شتى حتى إنتهى بي المُقام هنا في مدينة لايبزك . هل عُدتَ للعراق يا صديق ؟ مرة واحدة زرت أهلي فيها وكان ذلك بعد ثورة تموز 1958 . وهل لديك نية أن تزوره ثانية ً بعد زوال حكم الطاغوت الجبّار وتحرره منه ومن عصاباته الدموية المتوحشة ؟ غمغم (  ممتاز ) وكنت بالكاد أسمع بعض غمغماته : نعمْ  ـ ساخراً ـ تحرر العراق ... تحرر من صنم دكتاتوري ولكن إستعبده مَن حرره !! كان العراق محتلاً مستعبداً من قبل شخص واحد وحزب واحد سلماه لقوات أجنبية متعددة محتلة والإحتلال يبقى هو الإحتلال . يبدو أن صاحبيَّ كانا يتابعان نجوى وغمغمة الصديق ممتاز كما كان شأني . فهماه كما فهمته أنا وربما أفضل مني . كان ما زال غارقاً عميقاً في دوامة حزنه وهمه على ما آل إليه أمر العراق والعراقيين بعد التاسع من شهر نيسان 2003 . صبَّ المتنبي له قليلاً من الويسكي في كأس بللوري يشع زجاجه كأنه كوكب ٌ دري ٌّ ثم أضاف إليه عدة مكعبات صغيرة من الثلج ، قرّبه منه فأطال ( ممتاز ) فيه النظر لكأنه يقول لنفسه : أأرفضه وأعتذر من ضيفي المتنبي أم أتقبله وأرضى بالعواقب وما قد يجر الويسكي على قلبي الجريح من متاعب ؟ مدَّ أخيراً ممتاز كفه لضيفه لتناول الكأس أو كأس البللور مع بسمة خفيفة حول شفتيه دون باقي أجزاء وجهه ، شكره بلطف ثم قال ضاحكاً : يا شاعرَ الكوفة والعراقين عراق العرب والعجم ... أتسكرني عليلاً مدمّى  القلب نازف َ الصدر بالويسكي الثقيل وأنت الشاعر لا تشرب إلا الماء المعدني ؟ ليس هذا من الإنصاف يا متنبي . هز َّ المتنبي رأسه وشرع ينشد مترنماً والكثير من أمارات الحزن الشفيف تفرض نفسها على ملامح وجهه :

 

أفيقا ، خُمار ُ الهم ِّ علمني السُكرا

وسكري من الأيام ِ جنبني الخمرا

  

قرّب كأس مائه من فيه فرفع ممتاز كأسه وجاريتُ وزهدي الصديقين فرفعنا كأسينا متمنين الشفاء العاجل والناجز للصديق ممتاز كامل كريدي.

إقترح فيلسوف التحولات الروائي دكتور زهدي الداوودي أن نفتتح الجلسة بالأسئلة والحوارات لكنَّ صاحبنا المتنبي إعترض بإنَّ لديه أسئلة يود أن يوجهها للصديق ممتاز كريدي  قبل الدخول في أمر الإنقلابات والتحولات والناسخ والمنسوخ . هل لديك يا ممتاز ما يمنع من توجيه أسئلة شخصية لك من قبل ضيفك المتنبي وهو كما تعلم شاعر عراقي بدوي منفتح القلب والطويّة يقول بلسانه ما يوحي له قلبه وضميره ؟ قلتُ لممتاز . تردد ممتاز قليلاً قبل أن يجيب : سأسمح له وله وحده أن يسألَ ما يشاء لأنه يدخل لأول مرة ٍ بيتي ومدينتي . نهض المتنبي فرحاً جذلاً مصفقاً لممتاز وما كاد يجلس في مكانه حتى بادر بالسؤال : يا دكتور ممتاز ، أرى بيتك كثير الهدوء تام الإنتظام ... هل من أطفال أو أولاد وبنات لديك في بيتك وهل أنك أصلاً متزوج (( متأهل )) أم لا ؟ صعدت حرارة الشعور بالحرج والحياء فإحمرت وجنتا ممتاز فدارى حياءه بأن ْ قرّب كأس شرابه من شفتيه دون أن يمسسه . أردت وزهدي تشجيعه على أن يجيب فرفعنا كأسينا عالياً صارخين في صحتك يا أيها الممتاز ! وضع كأسه على المائدة دون أن يتناول منه شيئاً . كان شديد الحذر وكان مأزوماً لا يريد أن يجيب عن أسئلة المتنبي . كان مطأطئ الرأس حين أشار زهدي بإتجاه المتنبي بسبابته والوسطى محركاً كلا الإصبعين أماماً وإلى الخلف ففهم المتنبي أن ممتازا ً كان  قد تزوج مرتين لكنه اليوم عازب ٌ يعيش في شقته وحيداً . أشفق المتنبي على ممتاز والحال الذي هو فيه . إعتذر منه وقال فلنطو ِ هذه الصفحة القاتمة ولندخل في صلب مواضيع أجندة يومنا هذا لعلنا نجد فيها ما ينسي صاحب البيت الهم َّ الذي سببنا له . ليتنا لم نأتِ إليه ... إعترض ممتاز محتجاً قائلاً كلا كلا كلا ... أتيتم فشرفتموني وأتيتموني في الظرف المناسب فالوحدة هنا ثقيلة عليَّ خاصة بعد إجراء العمليات الخطرة المعقدة . المريض ضعيف نفساً وجسداً والوحدة تقتله .

أشار عليَّ زهدي أن أفتتح الجلسة بأيما موضوع أشاء فلقد غدا المزاج ُ  عابساً متوتراً تخيّم عليه أجواء المستشفيات وقاعات العمليات الجراحية الكبرى وروائح العقارات والسوائل المخدرة بل وحتى وخزات الإبر وأصوات مشارط الجراحة والأردية البيض تغطي الجميع أطباءً وممرضات . رأيت ُ أن الصديق زهدي كان في غاية الإنسجام في وصفه لصالة العمليات والصداري البيض فلم أشعر بالدهشة لأنه يصف ما يصف بدقة وفي رأسه صورة حبيبته الممرضة مادلين رقم واحد (1) في مستشفى كركوك عام 1955 . هناك فارق والده الحياة وهنا يجلس معنا صديق مريض يتشافى ويتعافى كاد لولا العملية أن يفارقَ الحياة .

القيتَ الكرة يا زهدي في ملعبي ولكم كنتُ أتمنى أن تبادر أنت للحديث عن روايتك الجديدة وأن تكشف لنا بعض أسرارك فيها والكثير من أسرارها فيك . قال لم أترك سراً لي لم أكشفه فيها ... لكني أتوقع منك أن تستكشف أشياءَ أخرى جديدة فاتتني ولم أكشف عنها أو نسيتها أو ضاعت مني فيما بين السطور وأنا أعرفك خبيراً في كشف الغيوب وإزاحة السُتر ونبش المطمور و ... قاطعته قائلاً لا تبالغ ْ ولا تشتطَّ يا سيد الزاهدين ... معنا رجل يُدعى المتنبي فهو مَن سيتولى مهمات كشف الغائب وإستشراف المستقبل وإيضاح ما غمُض علينا من تفاصيل روايتك ... إنه هو المتنبئ وهو كشاف الغيوب وقارئ الممحي . إعتذر المتنبي بتواضع جم مدعياً أنه يعود لزمن غير زماننا وإنه لا يفهم فلسفات التحول وإن ْ خبر تقلبات الزمان وخياناته وعلاقة تقلبات وخيانات بعض الناس بطباع الزمان وتعلمهم منها ومنه [[ كلما أنبتَ الزمانُ قناة ً // ركّبَ المرءُ للقناةِ سِنانا ]].

    يا جماعةَ الخير ... قلتُ ... ما دام الفأس قد وقع على يأفوخ  رأسي فإني لأود ُّ أن أوجه أول أسئلتي للصديق زهدي خورشيد الداوودي عن سبب تصميمه روايته بحيث يقابل فيها بين حدثين كبيرين جداً وقعا فغيرا وجه العراق السياسي والإقتصادي والإجتماعي في أقل من خمسة أعوام سالت فيهما ومن أجلهما وبسببهما دماء كثيرة ووقعت تجاوزات ومظالم كثيرة تقشعر لبعضها الأبدان . أعني ثورة تموز 14 تموز 1958 ــ وإنقلاب الثامن من شهر شباط 1963 على وجه التحديد . قال زهدي وضّح قصدك ... لم أستوعب ما تريد أن تقول . يا زهدي ، أردتُ أن أقول أن بعض مَن تعرف من ساسة سابقين يميلون لتفسير أحداث التأريخ بمقولة الحتميات التأريخية . أي كل ما يقع أمامنا هو أمر محتوم وواقع لا مَحالة  ويضربون لذلك مثلاً من إنهيار المعسكر الإشتراكي أواخر القرن الماضي. قالوا إنَّ إنهيار الإشتراكية هو قدر حتمي فرضته ظروف وأحوال معينة لا مهرب منها ومن أحكامها . وبرزت ظاهرة العولمة والقطب الأمريكي الأوحد كنتيجة حتمية مباشرة لسقوط الأشتراكية ...   هكذا قالوا أو تقريباً . سؤالي يا زهدي وأنت كذلك مؤرخ وكنتَ في قلب السياسة وبعض هؤلاء المنظرين الجدد هم من أصدقائك والمقربين منك ... هل تحسب أو تعتقد في ضوء نظرية هؤلاء (( المنظرين !! )) أن سقوط ثورة 14 تموز 1958 هو كذلك أمر حتمي لا مناص ولا مهربَ منه ؟؟!! يدّعي هؤلاء المنظرون أنَّ العولمة وقد غدت ظاهرة كونية شملت العالم أجمع إنما تمهد بعالميتها هذه لظهور الإشتراكية ثانية ً على مسرح التأريخ ومن ثم إنتصارها السلمي النهائي !! العولمة هي حاضنة ورحم الإشتراكية !! كان زهدي منصتاً لي بعمق أنساه كأسه وسيجارته التي تركها تستهلك نفسها في المنفضة على مهل ودخانها يتضاءل ويتمايل يمنةً ويسرة ً في جو الغرفة . رفع رأسه ووسع من عينيه تحت حاجبيه وقال : ما علاقة العولمة والإشتراكية بحديث ثورة تموز وإنقلاب شباط في العراق ؟ العلاقة وثقى يا زهدي . سأل كيف ؟  كيف ؟ أنا أقول لك . أراد ممتاز أن يقولَ شيئاً لكنَ المتنبي حال دونه ودون أن يشرع بالقول . وضع سبابته على شفتيه ففهم ممتاز قصده . إذا كانت ـ إستأنفتُ حديثي ـ العولمة كظاهرة حتمية إنتصرت في إثر هزيمة الإشتراكية فإن َّ سبيل إنتصار هذه سيتم عن طريق تلك . ظاهرة تؤدي إلى أخرى في تسلسل من الحتميات التي لا من راد ٍ  لوقوعها حسب أقوال المنظرين . طيب ، فإذا كان نجاح أنقلاب الثامن من شباط 1963 في العراق هو كذلك أمر محتوم  لا مهربَ منه ، فإلى ما إنتهى إنتصار الإنقلاب الدامي الأسود ؟ إشتراكية ـ عولمة ـ إشتراكية ... آمنا وسلمنا ولكن ، كيف ترسم لنا مسلسل تطور الأحداث في العراق في ضوء نظرية أصحاب حتمية العولمة : ثورة تموز ـ إنقلاب شباط ـ ... ما هو وليد الإنقلاب الحتمي ؟ هل أدى الإنقلاب ُ إلى الإشتراكية أو إلى ظاهرة أخرى إيجابية أفضل وأعلى من ثورة تموز التي أطلقتم عليها صفة الثورة البرجوازية الوطنية الدمقراطية وما كانت إلا  أنقلاباً عسكرياُ وقف الشعب العراقي وراءه منذ لحظاته الأولى وطوره إلى ثورة ذات سمات وطبائع خاصة معينة تقلبت وتغيرت مراراً وإنتهت بالعراق إلى كارثة . ظل زهدي منصتاً يفكر كيف يجيب وقد وضعته في زاوية حرجة أو في قفص إتهام بسبب تهمة لا ناقةَ له فيها ولا من جمل . هل أعيد سؤالي وشرح وجهة نظري ؟ قال لا ، لا حاجة بك إلى ذلك . الموضوع واضح . الإنقلاب الفاشي الأسود الذي حلَّ محل ثورة تموز لم يجلب للعراقيين وضعا ً أفضل ولم يستطعْ أن يؤسس دولةً أرقى من تلك التي أسستها ثورة تموز 1958 . كان الإنقلاب إنتكاسة ً بكل المقاييس المعروفة . قد يكون هذا الإنقلاب أمراً حتمته ظروف وأوضاع معينة مهدت له كافة سبل ووسائل النجاح وأعانته في دك دولة الثورة وتقويض أسسها الفتية وتغيير حتى علمها ومبادئها ومجمل قوانينها ومبادئها الخلقية.

كل هذا صحيح ، أضاف زهدي السياسي والمؤرخ ، وعليه فإني أعتقد ، قال زهدي ، أنْ ليس كل حتمية تأريخية تفضي إلى حتمية افضل منها أو أرقى صعوداً في سلم التطور القانوني والبشري والحضاري . الإنقلاب هنا ردة إلى الوراء ... تقهقر ... إنحطاط ... تفسخ في النسيج الخلقي والتأريخي ... جرح متقيح لا شفاء منه ... ليس كل حتمية هي حتمية تطور وإرتقاء . هل أجبتك يا صديق ؟ سأل زهدي . قلت لا أدري ، إسالْ بقية الأخوة لعل لهم رأياً مغايراً . تطلع زهدي في وجهي الصديقين فالفاهما نائمين ، الكأس في يد ممتاز لم تمسسه شفتاه والسيجارة في المنفضة أمام المتنبي . تبادلت ُ  نظرات الحيرة والعجب مع زهدي كأني كنت أتساءل : ما العمل ... أنتركهما نائمين أم نعلن لهما عن إنتهاء جلسة مجلس برلماننا الموقر الذي إذا نام أعضاؤه فلا من صحو ٍ بعد نومهم ؟؟!! لم أسمع جواباً من زهدي ... ألفيته هو الآخر نائماً فما قيمة وجدوى صحوي ؟ تصبحون على خير !! 

[[ " تحولات " رواية للدكتور زهدي خورشيد الداوودي / الطبعة الأولى 2007 . الناشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ]].